مجمع البحوث الاسلامية
632
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تَبْتِيلًا ، فبيّن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم التّبتّل بفعله ، وشرح أنّه امتثال الأمر ، واجتناب النّهي ، وليس بترك المباحات ، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل اللّحم إذا وجده ، ويلبس الثّياب تبتاع بعشرين جملا ، ويكثر من الوطء ، ويصبر إذا عدم ذلك ، ومن رغب عن سنّته لسنّة عيسى فليس منه . المسألة الثّالثة : قال علماؤنا : هذا إذا كان الدّين قواما ، ولم يكن المال حراما . فأمّا إذا فسد الدّين عند النّاس ، وعمّ الحرام ، فالتّبتّل وترك اللذّات أولى ، وإذا وجد الحلال فحال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل ، وكان ذا تشمند « 1 » رحمه اللّه يقول : إذا عمّ الحرام ، وطبّق البلاد ، ولم يوجد حلال استؤنف الحكم ، وصار الكلّ معفوّا عنه ، وكان كلّ واحد أحقّ بما في يده ما لم يعلم صاحبه . وأنا أقول : إنّ هذا الكلام منقاس إذا انقطع الحرام . فأمّا والغصب متماد ، والمعاملات الفاسدة مستمرّة ، ولا يخرج المرء من حرام إلّا إلى حرام فأشبه المعاش من كان له عقار قديم الميراث يأكل من غلّته ، وما رأيت في رحلتي أحدا يأكل مالا حلالا محضا إلّا سعيدا المغربيّ ، كان يخرج في صائفة الخطميّ ، فيجمع من زريعته قوته ويطحنها ، ويأكلها بزيت يجلبه الرّوم من بلادهم . المسألة الرّابعة : إذا قال : هذا عليّ حرام ، لشيء من الحلال عدا الزّوجة ، فإنّه كذبة لا شيء عليه فيها ، ويستغفر اللّه ، ولا يحرم عليه شيء ممّا حرّمه . هذا مذهب مالك والشّافعيّ ، وأكثر الصّحابة . وروي أنّه قول يوجب الكفّارة ، وبه قال أبو حنيفة . ويدلّ عليه حديث عبد اللّه بن رواحة المتقدّم . وفي حديث الجماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثله . وروي أيضا عنهم أنّهم حلفوا باللّه ، فأذن لهم في الكفّارة ، فتعلّق أصحاب أبي حنيفة بمسألة اليمين ، وتأتي إن شاء اللّه . وأمّا إذا قال لزوجته : أنت عليّ حرام ، فموضعها سورة التّحريم ، واللّه يسهّل في البلوغ إليها بعونه . ( 2 : 637 ) الطّبرسيّ : لمّا تقدّم ذكر الرّهبان وكانوا قد حرّموا على أنفسهم الطّيّبات ، نهى اللّه المؤمنين عن ذلك ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي يا أيّها المؤمنون لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ . وهو يحتمل وجوها : منها : أن يريد : لا تعتقدوا تحريمها ، ومنها : أن يريد : لا تظهروا تحريمها ، ومنها : أن يريد : لا تحرّموها على غيركم بالفتوى والحكم ، ومنها : أن يريد : لا تجروها مجرى المحرّمات في شدّة الاجتناب ، ومنها : أن يريد : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين . فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه . ( 2 : 236 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : الطّيّبات : اللّذيذات الّتي تشتهيها النّفوس ، وتميل إليها القلوب ، وفي الآية قولان : الأوّل : روي أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصف يوم القيامة لأصحابه في بيت عثمان بن مظعون ، وبالغ وأشبع الكلام في الإنذار والتّحذير ، فعزموا على أن يرفضوا الدّنيا ويحرّموا على أنفسهم المطاعم الطّيّبة والمشارب اللّذيذة ، وأن يصوموا
--> ( 1 ) هكذا بالأصل ، وفي هامشة : هو الإمام أبو حامد الغزاليّ ، وهو لقب أعجميّ يفسّر بعالم العلماء .